فوزي آل سيف

13

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

ـ وعاصر الإمام الهادي عليه السلام وجود تيارات منحرفة؛ منها تيار الغلو الذي قام على أساسين: المصالح الدنيوية والجهل، فمن جهة كان هناك بعض المغامرين الطامعين في الزعامة والتصدر والمال، استطاعوا أن يستغفلوا قسما من الجهلة الذين لم يستوعبوا أنه: " ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد" وأن تكمل نعمة الله سبحانه على أوليائه، فيجعلهم في أسمى ما يمكن للبشر الوصول إليه، وفي نفس الوقت يبقون على بشريتهم! وأنه عباد مخلوقون مربوبون، بل أعبد خلق الله وأكثرهم تواضعا لخالقهم.. وكما كان تشبيه الله بخلقه، وتجسيمه خطيئة كبرى بحق الخالق، فإن الغلو في بعض عباده (وإن كانوا أئمة معصومين) خطيئة كبرى في حقهم وفي حق خالقهم! فاهتم الإمام الهادي عليه السلام بمحاربة تيار الغلو هذا على أكثر من صعيد، وسيأتي أيضا بيان هذا الجانب وتفاصيله إن شاء الله تعالى. 10/ السنوات العجاف في سامراء من حين وصوله عليه السلام إلى سامراء في سنة 243 هـ كما سبق وإلى شهادته سنة 254 هـ قضى الإمام الهادي إحدى عشرة سنة[52] من السنوات العجاف الصعبة، كان منها حوالي 4 سنوات، مع المتوكل العباسي الذي هلك سنة 247 هـ باغتيال الأتراك إياه متعاونين مع ابنه المنتصر. شهدت هذه السنوات ألوانا متعددة من الإيذاء والمضايقة للإمام الهادي عليه السلام، كان أولها الإقامة الجبرية عليه في سامراء ومنعه من الرجوع إلى بلده وموطنه وهو المدينة المنورة، ومن المعلوم أن أحد أسوأ أشكال الإيذاء هو هذا. فإن لازمه أن يعيش الإنسان الذي فرض عليه هذا النحو أن يعيش غريبا، وأن يتعامل مع بيئة غريبة عليه، قد لا يستطيع التكيف معها بسهولة. بخلاف ما إذا كان يعيش في موطنه. ومن ألوان الإيذاء كان اقتحام حرمة بيته، والدخول إليه أحيانا من خلال السور والسطح على طريقة اللصوص والسراق، وقد تعددت هذه العمليات بحيث كان يتسور عليه منزله، وبهذه الطريقة يبقى صاحب البيت غير آمن حتى في منزله، ولا يستشعر الاسترخاء في حياته. وكان من ذلك أيضا إحضار الإمام وجلبه إلى قصر الخلافة، في أي وقت ومن دون سابق إخبار، وأحيانا وعلى نهج أفعال أجهزة المخابرات القمعية، على الهيئة التي هو فيها من غير مراعاة لموقعه الديني وكونه ـ على الأقل ـ زعيم طائفة في الأمة. ومن ذلك مطالبة الإمام أن يشاركهم في أعمالهم المحرمة، كشرب الخمر[53]أو مجالس اللهو، وأمثال ذلك. وغرضه في ذلك تحطيم الصورة القدسية الموجودة للإمام في نفوس الناس عامة وأتباعه خاصة. ولكن القصة انتهت على غير ما أراد المتوكل، حيث رفض الإمام عليه السلام بحزم مشاركة الخليفة العابث وأصحابه السكارى في لهوهم، وبدلا من ذلك فقد قلب المشهد رأسا على عقب.[54]

--> 52 ) الخزعلي؛ أبو القاسم: موسوعة الإمام الهادي ١/ ٨١: الإربليّ رحمه اللّه: وكان مقامه عليه السّلام بسرّ من‌ رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهرا . وقد ذكر الشيخ الكوراني في كتابه الإمام الهادي أنه عليه السلام قد استجلب ثلاث مرات إلى سامراء؛ احداها في سنة 232 هـ في أول خلافة المتوكل وآخرها في س243 هـ وثالثة بينهما، ولم نر في القرائن التي أشار إليها ومنها تنصيص الطبري على السفر الأول، دون الباقي ما يكفي للوصول إلى هذه النتيجة، والذي نراه عاجلا أنها كانت سفرة واحدة سنة 243 هـ وهي التي استمرت إلى شهادته عليه السلام. وعلى أساس ما ذكره الطبري فقد اعتمد المتأخرون ممن نقلوا عنه بأن فترة بقائه عليه السلام في سامراء كانت عشرين سنة أو أكثر.. كالطبرسي في إعلام الورى، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن شهراشوب في المناقب. بينما من اعتمد على أنه استقدم لسامراء في سنة 243 هـ، كالاربلي في كشف الغمة، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ومثله ابن حجر في الصواعق المحرقة، فقد ذكروا أن بقاءه فيها كان نحو احدى عشرة سنة أو عشر وأشهر. 53 ) الكليني: الكافي 1 / 502: « حدثني أبو الطيب المثنى يعقوب بن ياسر قال: كان المتوكل يقول: ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا! أبى أن يشرب معي أو ينادمني أو أجد منه فرصة في هذا! فقالوا له: فإن لم تجد منه، فهذا أخوه موسى قَصَّافٌ عَزَّاف، يأكل ويشرب ويتعشق. قال: ابعثوا إليه فجيئوا به حتى نُمَوِّهَ به على الناس ونقول ابن الرضا! فكتب إليه وأشخص مكرماً وتلقاه جميع بني هاشم والقواد والناس على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة، وبنى له فيها، وحوّل الخمارين والقيان إليه، ووصله وبَرّه وجعل له منزلاً سرياً، حتى يزوره هو فيه! 54 ) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر٤/ ١١" وقد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحًا وكتباً وغيرها من شيعته، فوجه إليه ليلًا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مدْرَعة من شَعَرٍ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملْحَفة من الصوف متوجهاً إلى ربه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمَه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط، فأعْفِنِي منه، فعافاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بد أن تنشدني فأنشده: باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُللُ واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم فأودعوا حُفَراً، يا بئس ما نزلوا ناداهُم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار والكِللُ فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا وطالما عمروا دوراً لتحصنهم ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا وطالما كنزوا الأموال وادخروا فخلفوها على الأعداء وارتحلوا أضحت مَنازِلُهم قفْراً مُعَطلة وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا قال: فأشفق كل من حضر على علي، وظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلًا حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب..